الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

376

تفسير روح البيان

دون ثواب المصلين في المسجد بالجماعة وفي الحديث ( صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه ( خمسة وعشرين ضعفا ) وفي رواية ( سبعة وعشرين ) وذلك لان فرائض اليوم والليلة سبع عشرة ركعة والرواتب عشر فالجميع سبع وعشرون وأكثر العلماء على أن الجماعة واجبة وقال بعضهم سنة مؤكدة وفي الحديث ( لقد هممت ان آمر رجلا يصلى بالناس وانظر إلى أقوام يتخلفون عن الجماعة فاحرّق بيوتهم ) وهذا يدل على جواز إحراق بيت المتخلف عن الجماعة لان الهم على المعصية لا يجوز من الرسول عليه السلام لأنه معصية فإذا جاز إحراق البيت على ترك الواجب أو السنة المؤكدة فما ظنك في ترك الفرض وفي الحديث ( بشروا المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ) وفيه إشارة إلى أن كل ظلمة ليست بعذر لترك الجماعة بل الظلمة الشديدة واطلاق اللفظ يشعر بان المتحرى للأفضل ينبغي ان لا يتخلف عن الجماعة بأي وجه كان الا ان يكون العذر ظاهرا والاعذار التي تبيح التخلف عن الجماعة هي المرض الذي يبيح التيمم ومثله كونه مقطوع اليد والرجل من خلاف أو مفلوجا أو لا يستطيع المشي أو أعمى والمطر والطين والبرد الشديد والظلمة الشديدة في الصحيح وكذا الخوف من السلطان أو غيره من المتغلبين جعلنا اللّه وإياكم ممن قام بأمره في جميع عمره وَكُلَّ شَيْءٍ من الأشياء كائنا ما كان سواء كان ما يصنعه الإنسان أو غيره وهو منصوب بفعل مضمر يفسره قوله أَحْصَيْناهُ ضبطناه وبيناه قال ابن الشيخ أصل الإحصاء العد ثم استعير للبيان والحفظ لان العد يكون لأجلهما وفي المفردات الإحصاء التحصيل بالعدد يقال أحصيت كذا وذلك من لفظ الحصى واستعمال ذلك فيه لأنهم كانوا يعتمدون عليه في العد اعتمادنا فيه على الأصابع فِي إِمامٍ مُبِينٍ أصل عظيم الشان مظهر لجميع الأشياء مما كان وما سيكون وهو اللوح المحفوظ سمى اماما لأنه يؤتم به ويتبع قال الراغب الامام المؤتم به إنسانا كان يقتدى بقوله وبفعله أو كتابا أو غير ذلك محقا كان أو مبطلا وجمعه أئمة نحو قوله تعالى ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) اى بالذي يقتدون به وقيل بكتابهم ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ) فقد قيل إشارة إلى اللوح المحفوظ انتهى . وفي الإحصاء ترغيب وترهيب فان المحصى لم يصح منه الغفلة في حال من الأحوال بل راقب نفسه في كل وقت ونفس وحركة وسكنة وخاصية هذا الاسم تسخير القلوب فمن قرأه عشرين مرة على كل كسرة من الخبر والكسر عشرون فإنه يسخر له الخلق فان قلت ما فائدة تسخير الخلق قلت دفع المضرة أو جلب المنفعة وأعظم المنافع التعليم والإرشاد واختار بعض الكبار ترك التصرف والالتفات إلى جانب الخلق بضرب من الحيل فان اللّه تعالى يفعل ما يريد والا هم تسخير النفس الامارة حتى تنقاد للامر وتطيع للحق فمن لم يكن له امارة على نفسه كان ذليلا في الحقيقة وان كان مطاعا في الظاهر وفي التأويلات النجمية ( وَكُلَّ شَيْءٍ ) مما يتقربون به إلينا ( أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ) اى أثبتنا آثاره وأنواره في لوح محفوظ قلوب أحبابنا انتهى واعلم أن قلب الإنسان الكامل امام مبين ولوح الهى فيه أنوار الملكوت منتقشة واسرار الجبروت منطبعة مما كان في حد البشر دركه وطوق العقل الكلى كشفه وانما يحصل هذا بعد التصفية بحيث لم يبق في القلب